كثيرة تلك المؤشرات التي تؤكد أن العالم أصبح غابة، الغلبة فيها للقوي، والكلمة فيها للطلقة، والقرار فيها لمن لديه أنياب مدججة بالسلاح . هو غابة فعليّة لكن تعلوها تزيينات ما يسمى القانون الدولي، ورتوش حقوق الإنسان، وزخرفة حقوق الشعوب، وهي غلالة رقيقة سرعان ما يتم اختراقها عند كل منعطف سياسي.
والضغوط التي تمارس الآن على العرب، ومنهم الفلسطينيون، من أجل الدخول في مفاوضات مع من يذبحهم يومياً أحد هذه المؤشرات القبيحة في معانيها، والوحشية في دلالاتها . الغرب بقضّه وقضيضه يعلن بين الفينة والأخرى أنه يريد تمكين الفلسطينيين من حقوقهم، وأنه سيعمل من أجل قيام دولتهم، وهو في الوقت نفسه يؤيد أو يصمت على الإرهاب “الإسرائيلي” البيّن وفي وضح النهار.
هم لا يفعلون شيئاً، اللهم إلا تشجيع الكيان الصهيوني على غيه، ويريدون من العرب، ومنهم الفلسطينيون، أن يأخذوا بثرثرتهم، أو ما يسمى أحياناً ضماناتهم، وأن يتجاهلوا أفعالهم . الفلسطينيون دخلوا كل أنواع المفاوضات وقد كانت النتائج في جوهرها تمكيناً للكيان الصهيوني من الأرض الفلسطينية هدماً وقضماً، وتفريقاً للصف الفلسطيني، بل والعربي.
ومع ذلك، فالسلطة الفلسطنية تقول إنها تريد أن تفاوض، ولكنها تتساءل حول أي شيء يريدون منها التفاوض؟ على التسليم بأن الفلسطينيين راضون بسياسات الهدم والقضم “الإسرائيلية”، أو بالانتهاكات “الإسرائيلية” المتواصلة؟ هذه المرة يقول الفلسطينيون إنهم يريدون تأكيداً على أن المفاوضات ستكون حول حقوقهم، لكن “إسرائيل” تقول إن هذا من المستحيلات . فمن المستحيلات لدى الكيان الصهيوني التفاوض حول حدود ،67 فعلى أية حدود سيتم التفاوض؟ حتى هذه لا يفصح عنها “الإسرائيليون”، إذ قد تكون حول ربعها أو حتى خمسها، ولعل الصحيح أنها لن تكون على أية حدود . ويقول الفلسطينيون إنهم يريدون وقف الاستيطان كلياً، لأن في ذلك معرفة جدية بالنوايا “الإسرائيلية”، إذ إن من يريد إعادة الحقوق قولاً لن يعمل على نقضها فعلاً، لكن الكيان الصهيوني يقول إن هذا أيضاً من المستحيلات.
ومع ذلك، تشتد الضغوط الأمريكية والأوروبية على العرب، ومنهم الفلسطينيون، للدخول في مفاوضات الإلهاء لأغراضهم المختلفة، وإنقاذ الكيان من ورطته الدولية بسبب حماقاته المختلفة.
العجب، أننا ونحن نلاحظ الوقاحة الغربية في الضغط على الفلسطينيين من أجل انتهاج سياسة تتعارض مع حقوقهم، لا نملك الجرأة ونحن ندافع عن حقوقنا على زجرهم وفضح مخططاتهم، بل يذهب العرب في مجاراتهم حتى يكاد المراقب يشك في أن هناك طحيناً، وهو في الحقيقة لا يعدو أن يكون جعجعة فارغة. |