«ثعابين الأرشـيف» رواية تعتذر للموتى عن مـوتهم

2017-01-11 12:05:15

نادرة هي تلك الروايات التي تمتلك القدرة على استدراج القارئ، منذ صفحاتها الأولى لكمينها الملغوم بالمفاجآت، أو لنقل ذاك الفخ الذي يستدرجه للتواصل وللبقاء مع العمل الروائي لآخر جملة فيه. نجح الشاعر والروائي أسعد الجبوري في صياغة نص روائي وظف فيه عدة تقنيات من السرد التي أتت محملة بعدة تيارات ومذاهب أدبية من  الأخيولي والواقعي والكلاسيكي والسريالي، لتعلن في النهاية عن خاتمة لعمل روائي جميل ومشغول بعناية فائقة  ودراية وخبرة حياتية ولغة شعرية، هي بالأساس لغة الشاعر أسعد الجبوري، صاحب الخبرة البلاغية الطويلة، وتالياً، هل يمكن لكل هذه الأضداد أن تؤرشف وتؤرخ لكل هذا الخراب الحاصل في البلاد بسبب الإرهاب؟ أسعد الجبوري نجح في إزاحة الغبار عن تأريخ يستعاد الآن ليتم إسقاطه على بلاد تمضي إلى تواريخ مجهولة، ولربما تكون بداية لتاريخ سيعاد بعد قرن أو أقل.
«ثعابين الأرشيف»(دار الينابيع- دمشق)هي الرواية السادسة للشاعر والروائي العراقي وفيها يقارب الجبوري مفردات الحرب على سورية، أو كما جاء في كلمة الغلاف: (إنها رواية المأساة السورية بامتياز).
تناول الروائي في روايته الحرب على سورية من باب تاريخي وميثيولوجي وفكري، امتزجت فيه الأفكار الخيالية بالوقائع بأحداث التاريخ التي أخرجها من أرشيف التاريخ ذاته، ليبني عليها السردّ بالطريقة الفانتازية التي طالما اعتمدها للدخول إلى جوهر الحرب الإرهابية.
بطل الرواية هو ذاك الجنين الذي: في تلك الليلة الضريرة، نزلت في رحم تلك المرأة نقطة حليب ضالة، قذف بها وسط ظلام حار …، اعتبرتُ الرحم أوتيل لموجات من الحيامين، أنا الآن في الأوتيل الشبيه بمصباح أسود!
ذاك الجنين ينجو من عملية كورتاج يولد ثم يموت، في الوقت الذي تطير فيه روحه إلى السماء  يكبر ذاك الجنين ويصبح شاباً، يعترض درب سيره أحد الكواكب، ويرتطم به، فيعود إلى الأرض إلى قرية (الطوف)، يتولى تربيته الدينية (الشيخ فليفل).
ومن خلال شخصية: (حميدان أبو البراغي) الذي يملك عربة قطع الغيار للجثث، ومعه يدخل معمعة الحرب على سورية ليروي لنا ما حدث.
رواية «ثعابين الأرشيف» لربما هي من الروايات التي تناولت الحرب والدمار والخراب والجروح التي لا تندمل، والبيوت التي سقطت على ساكنيها، ودفنت معها أرواحهم وذكرياتهم.
وأسعد الذي عاش سنين في سورية، لم يكن شاهد زور كي يستورد شخصياته وأحداثه من كوكبٍ آخر، بل هو قدم لنا عملاً روائياً دسماً رغم مناخاته الفانتازية، وسيبقى ذكرى مؤلمة وموجعة حتى النزف الأخير عن  حرب كونية.
(يالها من لعبة قذرة ! صحتُ بصوت عال فردّ جاسم: هكذا كانت عروش الملوك).
في هذه الرواية إذاً، نحن أمام بانوراما شاملة لحرب تأكل الأخضر واليابس، تغتال الطفولة، ومن هم في أرحام أمهاتهم، كما حدث لبطل الرواية، حيث هناك مراصد ومواقع ومحللون وكتبة ورواة وتاريخ وشهود عيان، الخ.
في رواية  الجبوري هذه، لن نحتاج لمن يحلل أو يفند أو يقول لنا، إن الحرب على سورية لهذه الأسباب اشتعلت، فنحن أمام سرد متواتر تنزّ سطوره وفصوله وحواراته بحبر الدم المغمّس بعمق الحس ولهفة التعاطف مع جرح الإنسانية في صميمها، وفي قداستها وطهرها، هي رواية تعبّر عن تراجيديا العقل، بعيداً عن قذائف الهاون، والتفجيرات الإرهابية التي أتعبت العقل معها.
«العرب في الحرب تراثٌ. والحرب في العرب خيمةٌ، تقصّها النار بلسانها الصحراوي الأملس. هكذا عشت الصورة بالضبط: تخرج ثعابين الأسلاف من جحور الأرشيف وكهوفه، لتأكل رحمة الله، وتبصقها مع فوارغ الرصاص».
«ثعابين الأرشيف» رواية تعتذر للموتى عن موتهم، رواية الموت عندما يهرب من الموتى.

#شارك